الأم التى تناجى طفلها وهى تحتضر ..!!

للاعلان هنا

بقلم :
د. محمد المنشاوي..

توقفت طويلًا عند كلمات الأم الشابة التى إحتضنت طفلها الصغير وهى تحتضر ، بعد أن سقطت على الطريق وهى تمسك بيديه متأملة وجهه الجميل وعينيه الدامعتين حزنًا عليها ..

قائلةً : “بارك الله فيك من غلام .. يا إبن الذي من حومة الحِمام .. نجا بعون الملك المنعام .. غُداة الضرب بالسِهام .. فودى بمائة من إبلٍ سِوام .. إن صح ما رأيت فى المنام .. أنت مبعوث إلى الأنام .. من ذى الجلال والإكرام.. تُبعث فى الحلال وفى الإحرام .. تُبعث بالتحقيق وبالإسلام .. دين أبيك البر إبراهام .. فقد نهاك الله عن الأصنام .. ألا توليها مع الأقوام ” ..

بهذه الكلمات الحزينة ودعت الأم الشابة آمنة بنت وهب سيدة أمهات العالمين رضى الله عنها ، طفلها الصغير محمد إبن السادسة ، وقد أشفقت عليه من مرارة الوحدة واليُتم للمرة الثانية بعد وفاة أبيه عبدالله أثناء حملها فيه ..

والمدقق في ألفاظ مناجاتها الحزينة يجدُ ، أولًا : أنها كانت رضى الله عنها “حنيفية ” موحدةً على ملة إبراهيم عليه السلام .. ثانياً : معرفتها ويقينها بقدر وشأن وليدها وأنه سيُبعث إلى الناس رسولًا من ذى الجلال والإكرام بدين الإسلام .. ثالثًا : أن ألفاظها منافية للشرك والنهى عن موالاة الأصنام كحال قومها وقتذاك ..

للاعلان هنا

فقد سقطت الأم الشابة على الأرض وهى فى طريق العودة إلى مكة من زيارة لبنى النجار أخوال زوجها فى يثرب قبيل صعود روحها الطاهرة إلى بارئها ، وسط بكاء ونحيب طفلها المنفطر على أمه وبكاء خادمتها أم أيمن المرافقة لهما ..

هذه المشاعر الشعرية الحزينة جعلت من أُم رسول الله صلى الله أول مَنْ إمتدحه فى الدنيا وقبل كل آلاف المادحين المحبين له والذين نظموا فيه قصائد المدح والإنشاد على مر السنين ..

وماتت السيدة آمنة رضي الله عنها فى عام ٤٧ قبل الهجرة الموافق ٥٧٧ ميلادية وهى شابة فى الخامسة والعشرين ودفنت فوق جبل أو تل بالأبواء حتى يحفظ قبرها من جرف السيول ..

وعلى أثرٍ صعود روحا الطاهرة، قامت الخادمة أم أيمن فى حفر قبرها ، وطلبت من الطفل محمد المنتحب حزنًا على أمه قائلة له : هيا يا محمد عاونى على أن نحفر قبر أمك ، ليبدأ الطفل الحفر بأنامله الصغيرة وهو يبكى وينتحب وأم أيمن تبكى وتصد بيدها عن عينه حتى لا ينظر إلى جثة أمه الملقاة على الأرض ، إلى أن وضعت الجثة فى حفرة القبر وحثت التراب عليها ..

ثم شرعت أم أيمن وهى ممسكة بيد الطفل محمد لمغادرة المكان ، فيقول لها وهو يبكى : أمى أمى ، أى لنأخذ أمى معنا ، لا تتركيها وحدها ، فتبكى أم أيمن لبكاء وكلمات الطفل المنفطر الذى جاء إلى الدنيا فاقدًا أباه وهو الآن يتيم للمرة الثانية بفقد أمه ..

وبعد نحو خمسٍ وخمسين عامًا من تلك الحادثة يعود صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحًا وخلفه عشرات الآلاف من الصحابة ، فيمر بمنطقة الأبواء ، ويتذكر شريط الذكريات الحزينة المؤلمة ، فيأمر الصحابة رضى الله عنهم بالجلوس والإنتظار ، وبدأ صلى الله عليه وسلم ينظر فى المقابر ، ثم شرع يتخطى القبور كأنه يبحث عن قبرٍ حتى إنتهى إلى قبر أمه الحبيبة ثم جلس أمامه مناجيًا باكياً طويلاً حتى إرتفع نحيبه ، وبدأ يبكى بكاءً شديدًا على نحو لم يُر على هذا النحو من قبل ، وظل يناجيها ويتحدث إليها ويحكى لها الذكريات منذ أن كان برفقتها فى هذا المكان وهى تمسك بيده طفلًا صغيرًا وتمسح عن وجهه فى حنو الأمومة ، وكأنما يعوضها ببكائه عن كل هذه السنين ..

فلمًا سمع الصحابة صوت بكاءه ونحيبه بكوا لبكائه صلى الله عليه وسلم حتى قبل أن يعرفوا سبب هذا البكاء ومَنْ يكون صاحب القبر ..

ثم عاد صلى الله عليه وسلم وهو حزين ينتحب فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا رسول الله : ما الذى أبكاك لقد أبكانا وأفزعنا .. فجاء صلى الله عليه وسلم حزينًا وجلس بين الصحابه وقال : أأفزعكم بكائى ؟ قالوا نعم يا رسول الله ، قال : إن القبر الذى رأيتمونى أناجى هو قبر أمى آمنة وقد إستأذنت ربى فى زيارتها فأذن لى وإستأذنته فى الإستغفار لها فلم يأذن ، فأخذنى ما يأخذ الولد بوالدته من الرقة فذلك الذى أبكانى وأحزننى ..

وعدم الإذن الإلهى له صلى الله عليه وسلم بالإستغفار لها ، كما أشار كبار المفسرين والشُراح : حتى لا يُظن بها السوء ، فقد كانت حنيفية موحدة على مِلة جده إبراهيم عليه السلام فلم تكن مُشركةً بما لا يستوجب الإستغفار ، وهو حال أمهات الأنبياء والرسل السابقين عليهم السلام ، كُن جميعهن موحدات لله ..

فأبوه صلى الله عليه وسلم كريم وأمه كريمة من صفوة الساجدين “وتقلبك فى الساجدين” ، وهما أيضًا من حيث الخيرية من الأخيار “أنا خيار من خيار من خيار” ، ومن حيث الطهارة طاهران “لم أزل أتنقل بين أصلاب الطاهرين وأرحام الطاهرات ” ليسوا مشركين لأن المشرك نجس ليس طاهرًا ، ومن حيث العبودية هما عابدين كما يقول فى دعائه “عبدك وإبن عبدك وإبن أَمَتَك”.. وهذه أدلة قاطعة ترد على أصحاب الفكر الداعشى الذين يخوضون بالباطل ويتطاولون بجهل عليهما ..

لقد ورد فى التاريخ قصص العديد من النساء المخلدات ، وفى مقدمتهن تأتى سيدة الأمهات السيدة آمنة بنت وهب رضي الله عنها التى تنبأت أيضًا بخلود إسمها عندما قالت وهى تحتضر : كل حى ميت وكل جديد بالِ وكل كبير يفنى وأنا ميتة وذكرى باقٍ وقد تركت خيرًا وولدت خيرًا ، ثم ماتت رضى الله عنها..

فتحية إجلال واحترام لهذه الأم العظيمة التى شرفها الله بأن أنجبت خير البشر الذى أرسله رحمة للعالمين ..

About Post Author

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى