“الإشتغال” بالسياسة و “الإتجار” بالوطنية..!!..

للاعلان هنا

بقلم :
د. محمد المنشاوي..

قد لا تكون الوطنية حِكراً على أحد دون آخر ، كما أن العمل بالسياسة ليس قاصراً على شخصٍ دون غيره ، غير أن العمل بالسياسة وتحقيق الزعامة الوطنية فى غياب مقومات الشخصية “الكاريزمية ” يصبح فقط مجرد “إتجار” بالسياسة و”إشتغال” بالوطنية..

فالزعامة الوطنية السياسية ليست ساحة مفتوحة لكل من يَهوَى الشهرة من وراء الدخول إليها ، حتى وإن توفرت لديه أسباب المال الوفير وحده ..

مع ذلك ، أصبحت الوجاهة السياسية هدفًا يسعى إليه الكثيرون من ذوى المال ورجال الأعمال هذه الأيام ، إكتمالاً لجمال الصورة الشخصية وإلتحافاً بغطاء السلطة..

والهدف قد يكون تيسيرًا لدولاب المال وإدارة الأعمال وحماية التطلعات والمصالح والجمع بين الوجاهتين الإقتصادية والسياسية ، ولكن صاحب هذه الغاية لا تتحقق له زعامةً وطنيةً أبدًا..

للاعلان هنا

لقد باتت عملية الإشتغال بالسياسة هذه الأيام لاسيما منذ يناير ٢٠١١ ، على غير ما تربينا عليه فى الماضى القريب لا سيما إبان ثورة ١٩١٩ وما واكبها من أحداث حزبية وسياسية أفرزت جيلًا من الزعماء السياسيين الذين تركوا علامات بارزة على جدران الوطن ..

فليس كافيًا هذه الأيام ، أن تكون صاحب رأى ونظرية وطنية تسعى إلى تطبيقها أو رغبة ً فى الدفاع عن الوطن أو حماية حقوق الآخرين ومناصرة المظلومين ، دون توفر معادلة المقومات الشخصية والبيئة الحزبية الحاضنة والموارد المالية المطلوبة ..

غير أنه فى ظل الإفتقار الى إكتمال تلك المعادلة الثلاثية ، أصبح الأمر غير متاحٍ سوى للقادرين ماديًا والأثرياء ورجال الأعمال والمسئولين السابقين وحُدَثاء الثروة والمال السريع دون غيرهم ..

فهذه الشريحة لم تدخل إلى معترك السياسة إنطلاقاً من الرغبة فى تحسين أوضاعٍ أو رفع معاناةٍ أو وطنية حقيقية بل من باب الوجاهة والتمتع “بيافطة” تسبق الإسم إنتساباً إلى هيئة أو مجلس أو كيانٍ ، فهى وجاهة سياسية شخصية ليس إلا ..

وقد تسببت هذه المزاحمة من جانب تلك الزمرة ، فى مزيدٍ من ضعف وتدهور البنية الحزبية السياسية والمنتديات والأوعية التربوية السياسية ، والتوقف بالتالى عن تفريخ أجيالٍ من الشباب المثقف الواعى بقضايا الوطن وتحدياته وسبل الدفاع عن حقوقه ..

لينصرف هذا الجيل من الشباب فى غياب هذه “المفرخة ” الحاضنة إلى مجالات أخرى زادت من سطحيته وعدم إكتراثه وكراهيته لبلده ، ولتتمخض عن ذلك ظاهرة التطرف والكراهية والشماتة فى كل ما يلم بالوطن ومؤسساته بعد أن تكرس أمام أعينهم أن الإشتغال بالسياسة قاصرًا فقط على الأثرياء والقادرين ..

كما أسفرت هذه الأحوال عن ظهور جيلٍ من الشباب الناقم الذين تلقفتهم أجهزة الإستخبارات الأجنبية وضخت إليهم الأموال تحت مسميات ومصطلحات منظمات حقوق الإنسان المشبوهة والتلاعب بهم صوب توجيههم لهدم الأوطان بإسم الحرية والديمقراطية ، وهو ما تجلى فى أعقاب ٢٠١١ ..

ورأينا كثيرًا من المصطلحات والمسميات التى واكبت ظهور هذا الجيل من الشباب المُوَجه ضد الوطن مثل “ناشط سياسى ” و “ناشط حقوقى” ، ليتحول الكثير منهم الى “تاجر شنطة” ، يروج لأفكار ظاهرها حسنٌ وباطنها هدام للوطن ومقدراته ..

وأُستخدم هذا الجيل من الشباب من جانب القوى الخارجية على طريقة الحرب بالوكالة أو التدمير الذاتى ، فى محاولة إسقاط أوطانهم ، بعد أن فشلت هذه القوى الأجنبية فى تحقيق ذلك عِبر الحدود ..

فعدم إدراك أجيال الشباب لحقيقة أن الدفاع عن الأوطان يبدأ من الداخل ، أتاح للأعداء الإلتفاف بطرق ملتوية لتحقيق مآربها ، بإغراقهم بحقائب الدولارات الملوثة بدماء الشعوب ..

وظهر فى غياب البيئة الحزبية السياسية التربوية المناسبة ومنتديات التفريخ الوطنى الحقيقي جيلٌ من النشطاء بلا نشاط يُغلِب مصلحته على مصالح الوطن ..

لقد عودنا التاريخ أن الزعامة السياسية يولد أصحابها من رحم معاناة الشعوب ومن الطبقات البسيطة الأكثر مكابدة ومعاناة للحياة الصعبة بمختلف ألوانها ، هذه الطبقات تمثل “ملح الأرض” للمجتمع ، من أؤلئك الذين ولدوا لأباء بسطاء وعاشوا حياة غير مترفة ولم يعبهم أعمال آبائهم الشريفة فتحققت لهم زعامة لم يسعوا إليها بأموال أو أنسابٍ ..

فلم يعب الرئيس بيل كلينتون أن أمه كانت ممرضة تركب الموتوسيكل وهى ذاهبة الى المستشفى ، ولم يعب هتلر أن أمه كانت خادمة عند يهودى أو أن والده كان سائق قطار ، وهناك من الزعماء السياسيين في عالمنا العربى وبلادنا الذين خلدهم التاريخ ، تخلقوا بأخلاق الوطنية الخالصة وتحلوا بحقيقة مفادها “أن الدفاع عن الاوطان تبدأ من الداخل” ..

About Post Author

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى